
القصة دي انا كتبتها من سنتين و مفتكرش اني نشرتها ع البلوج او ع الفيس بوك
طلعتهالمك من الصندوق :)
*************
خرج من باب منزله و عبر الشارع بعدم اكتراث كعادته ليدخل الي الشارع المؤدي الي المقهي المقابل لمنزله و الذي اعتاد على ارتياده منذ
سنوات طويلة ..لاحظ ان من اتى له بطلباته –شيشة و قهوة سادة- شاب جديد في هذا المكان .
تأمل المقهى من حوله و كأنه يراه للمرة الاولى فلم يعد هذا المقهى ذو الكراسي الخشبية المحفور على ظهرها اسم المقهى باللون الاحمر.. و لا الحائط السيراميكي الابيض الذي اكتسب لوناً بني باهت اثر دخان الشيشة و السجائر و الهم المنبعثين من انفاس الزبائن ..بل لم يعد هناك جدران من الاساس فقد قام صاحب القهوة بفرش كمية كراسي لا بأس بها على جانبي القهوة و امامها تلبية لزيادة عدد الزبائن ...و علق فروع انوار على الشجيرات المجاورة لتلك الكراسي و اُستبدلت الترابيزة الحديدية الطولية بترابيزات بلاستيك و خشب احياناً..اختصار القول انها تحولت الي شيء اخر تماما عن ما كان يراه وقت مراهقته منذ خمسة عشر عاما تقريبا...اصبح كل شيء بلا حياة ..بلا رائحة مميزة..فقد اختلطت كل الروائح لتصنع رائحة واحدة لللا شيء.
..تكدثت اكواب القهوة الفارغه امامه..و الاحجار الخالية من المعسل بجواره..و ظل –كعادته-يستمع الي حوارات الجالسين بجواره مره..و وراءه مرة اخرى ..
فيما مضى لم يكن لديه الوقت الكافي ان يتأمل القهوة و الزبائن الاخرين ..فقد كان يأتي الي هنا مع اصدقائه و زملاء دراسته..و لكن متى بدأت تتسع تلك الفجوة بينه و بين اصدقائه..ربما عندما تخرجوا من الجامعة و ظل هو بلا عمل ،بينما سلك كل صديق له طريقه الخاص , و بدأوا في التلاشي تدريجياً و تزوجوا و اصبحوا عبارة عن اشباح او اطياف في ذهنه و بعد فقدان امه و زواج ابيه و انتقاله الي المنيا بلدتهم الاصليه، قرر ان يعيش بمفرده في منزل اسرته..يقضي يومه في استلام الجرائد صباحاً و قراءتها بملل و حنق و سخط احيانا ,ثم يحتسي قهوته -التي يصنعها في كوب زجاجي كبير – و يصاحبها بسيجارة و هو يقلب سريعا في قنوات التلفزيون دون ان يرى ما في القنوات من الاساس.. الخطوة التالية تختص بجهاز الكمبيوتر او بالاصح الانترنت ..بريده الاليكتروني..ايميلات تهنئى بشيء ما لا يتبينه..ايميل اسلامي لا يعرف عما يتحدث..حملات مقاطعة..الخ.. موقع "الفيس بوك" الشهير الذي اشترك فيه مؤخرا بناءا على دعوة احد الاصدقاء الذي لا يتذكره...فيجد في الموقع الكثير من الاشخاص الذين يهدوا له اغنيه..او يبعثوا له ب"حضن" على سبيل المشاركة الوجدانية..و الكثير من المشاعر الالكترونية الحارة.
حتى "عم داوود" ملمع الاحذية لم يأت منذ عدة ايام .. لم يحاول ان يسأل على سبب غيابه حتى لا يسمع خبر موته ..كم مره كان يأتي له عم داوود ببشرته السمراء المليئه بالشقوق و يسأله" تلمع يا بيه؟" ..و كم مره حاول هو ان يقنعه ان الاحذية الرياضية لا يصلح معها الورنيش..فيجده يجلس بجواره و لا يكف عن الحديث...يخبره ان في الماضي قبل ان تنتشر تلك الاحذية الرياضية كان "الرزق اوسع من كده"...و انه كان متزوج من ثلاث نساء..كلهن جميلات ..ثم يؤكد "اه مهو لازم الواحد يدوق كله..السمرا و البيضة..النشفه و الطريا..ولا ايه يا باشا"... و لا بأس من بعض النكات الابيحة التي يضحك عليها رغم انه يعرفها منذ سنين.
ظل يتسلى بوضع مبسم الشيشة بين شعيرات ذقنه النابته ..و يضغط عليها حتى تألمه هذا الالم الخفيف..ثم لاحظ هذا الصرصار الذي يتحسس طريقه على حذاءه ..لو قرر ان يدخل سرواله سوف ينفضه و لكنه الان ليست لديه الرغبة سوى في تكريس كل قواة لاحتواء اكبر كمية ممكنة من دخان الشيشة و نفخه بتأني حتى يتذوق المعسل بهوادة على طرف لسانه..نظر على الصرصار ليتأكده انه رحل فوجده يحاول القفز من على حذاؤه,عندما جاء هذا الطفل و هو يحمل كيس بلاستيكي مملوء بالمناديل..تذكر انه يريد بالفعل مناديل و لكن سرواله "الجينز" لا يسمح بخروج النقود الا و هو واقف على قدميه فعدل عن الفكرة و هز رأسه للولد بأنه "لا يريد" ...نظر الولد في الارض بخيبة امل و اكمل مسيرته مع باقي الزبائن و لكن لم يعيره احد اهتمام اساسا..هم الطفل مغادراً القهوة مطأطأ الرأس ..و لاحظ-رغم ان الولد كان يعطيه ظهره-انه يبكي..لاحظ ايضاً ان الكيس البلاستيكي الذي يحمله به قطع سمح بسقوط ثلاث اكياس من المناديل..ظل ينده على الطفل من بعيد " انت..يا بني..انت" ..و لكن الطفل لم يسمعه..لا يدري كيف انتفض من مكانه و نهض مهرولاً وراءه.التقط الاكياس التي لُطخت بالطين و امسك بكتف الطفل فوجده ينتفض و كأن شخص يهم بضربه..و عندما استدار تأكدت شكوكه ووجده كان يبكي بالفعل..ناوله اكياس المناديل ..نظر الطفل على الطين الذي يلظخ المناديل من الداخل فازدادت نظراته حزناً و خوفاً..لاحظ هو هذا فوضع يده في سرواله "الجينز" و اخرج ثمن المناديل و انقده اياها و اخذها و عاد الي القهوة..و لكنه عندما عاد الي مكانه وجد انه –دون ان يقصد- اوقع الشيشة و كسرها عندما اسرع وراء الطفل..ظل ينظر الي زجاج الشيشة الممتزج بالمياة و الفحم الذي اخمدته المياة ، هم بالجلوس مره اخري و لكن يد مرتعشة حطت على كتفه و جاء الصوت من وراءه.... "تلمع يا بيه".